ibnu-musafir.com

قولُ النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم «لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا نَفْسٌ مُسْلِمَةٌ» وما وردَ في الرِّواياتِ بشأنِ النَّصارى الَّذينَ صحِبَهُمْ سلمانُ

فصل من النص الكامل لكتاب «قِصَّةُ إِسْلَامِ سَلْمَانَ الْفَارِسِيِّ» · قراءة الكتاب بصيغة PDF

في روايةٍ للحديثِ عندَ أحمدَ51 في موضعِ الإخبارِ عنِ استكشافِ سلمانَ علاماتِ النُّبوَّةِ ما يلِي:

وَقُمْتُ خَلْفَهُ، فَوَضَعَ رِدَاءَهُ، فَإِذَا خَاتَمُ النُّبُوَّةِ، فَقُلْتُ: أَشْهَدُ أَنَّكَ رَسُولُ اللَّهِ فَقَالَ: «وَمَا ذَاكَ؟» فَحَدَّثْتُهُ عَنِ الرَّجُلِ، وَقُلْتُ: أَيَدْخُلُ الْجَنَّةَ يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَإِنَّهُ حَدَّثَنِي أَنَّكَ نَبِيٌّ؟ فَقَالَ: «لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا نَفْسٌ مُسْلِمَةٌ» فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّهُ أَخْبَرَنِي أَنَّكَ نَبِيٌّ أَيَدْخُلُ الْجَنَّةَ؟ قَالَ: «لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا نَفْسٌ مُسْلِمَةٌ».52

وفي هذا فائدةٌ عظيمةٌ، فإنَّ الرَّجلَ الّذي سألَ سلمانُ عنهُ ما رأى منهُ إلَّا خيرًا وكانَ مِنْ أصلحِ النَّاسِ على ذلكَ الدِّينِ وأخبرَهُ أنَّ النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم سيُبعثُ في هذا الزَّمانِ وأنَّهُ سيكونُ مِنَ العربِ وعلى دينِ إبراهيمَ، ثمَّ بيَّنَ لهُ تفاصيلَ مِنْ علاماتِ النُّبوَّةِ ونصحَ سلمانَ أنْ يبحثَ عنهُ ... ومعَ كلِّ ذلكَ لمْ يشهدِ النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم لهُ بالجنَّةِ!

وليسَ في ذلكَ تصريحٌ أنَّ هذا الرَّجلَ أو أصحابَهُ يَدخلونَ النَّارَ وأنَّهمْ كفَّارٌ واللهُ أعلمُ، فكأنَّ النَّبيَّ أرادَ أنْ يعلِّمَ عِلمًا بليغًا ومُهمًّا بالإشارةِ إلى أنَّ المرءَ مَهما قامَ بهِ مِنَ الأعمالِ الصَّالحةِ في الظَّاهرِ فدخولُ الجنَّةِ يتوقَّفُ على أمرينِ وهما:

أوَّلًا: تحقيقُ التَّوحيدِ الخالصِ والخلُوُّ التامُّ مِنَ الشِّركِ الأكبرِ مَهما كانَ، في الرُّبوبيَّةِ أو الألوهيَّةِ أيِ العبادةِ أو الأسماءِ والصِّفاتِ. وهذا يستلزمُ الأمرَ الآتيَ.

ثانيًا: سلامةُ الباطنِ مِنَ النِّفاقِ والشَّكِّ، بأنْ لا يُظهرَ للنَّاسِ التَّوحيدَ وفي قلبِهِ ما يناقضُهُ.

فكأنَّهُ لمْ يُردْ أنْ يؤكِّدَ لهُ ذلكَ وأرادَ أنْ يعلِّمَهُ بدلًا منهُ علمًا هوَ أَعمُّ مِنْ ذِكْرِ حالِ هؤلاءِ المعيَّنينَ، واللهُ أعلمُ. لَكِنْ لمْ يَكنْ قولُ النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم في هذا الحديثِ تَّصريحًا بكفرِهمْ.

وجاءَ في بعضِ رواياتِ التَّفسيرِ شيءٌ في هؤلاءِ ومصيرِهِمْ، فقَدْ روَى الطَّبريُّ في «التَّفسيرِ» مِنْ طريقِ أسباطِ بنِ نصرٍ عنِ السُّدِّيِّ قصَّةَ إسلامِ سلمانَ، وفيها: «فبيْنا هو يُحَدِّثُهُ إذْ ذكَرَ أصحابَهُ، فأخبرَهُ خبرَهمْ، فقالَ: كانوا يصومونَ ويصلُّونَ ويؤمنونَ بكَ، ويشهدونَ أنّكَ ستُبعثُ نبيًّا. فلمَّا فرَغَ سلمانُ مِنْ ثنائِهِ عليهمْ قالَ لهُ نبيُّ اللهِ: «يا سلمانُ، همْ مِنْ أهلِ النَّارِ». فاشتدَّ ذلكَ على سلمانَ، وقدْ كانَ قالَ لهُ سلمانُ: لو أدركوكَ صدَّقوكَ واتَّبعوكَ. فأنزلَ اللهُ هذهِ الآيةَ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالنَّصَارَىٰ وَالصَّابِئِينَ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ [البقرة: 62]. فكانَ إيمانُ اليهودِ أنَّهُ مَنْ تمسَّكَ بالتَّوراةِ وسنَّةِ موسى [كانَ مؤمنًا]، حتى جاءَ عيسى، فلمَّا جاءَ عيسى كانَ مَنْ تمسَّكَ بالتَّوراةِ وأخذَ بسُنَّةِ موسَى فلمْ يَدَعْها ويتَّبعْ عيسى كانَ هالكًا. وإيمانُ النَّصارى أنَّهُ مَنْ تمسَّكَ بالإنجيلِ منهمْ وشرائعِ عيسى، كانَ مؤمنًا مقبولًا منهُ، حتى جاءَ محمَّدٌ صلى الله عليه وسلم، فمَنْ لمْ يتَّبعْ محمَّدًا صلى الله عليه وسلم منهمْ ويَدَعْ ما كانَ عليهِ مِنْ سُنَّةِ عيسَى والإنجيلِ، كانَ هالكًا».

ثمَّ ذكرَ الطَّبريُّ مِنْ طريقِ ابنِ جُرَيجٍ عنْ مجاهدٍ: «﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا﴾ [البقرة: 62] الآية. قالَ: سألَ سلمانُ الفارسيُّ النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم عنْ أولئكَ النَّصارى وما رأى مِنْ أعمالِهِمْ، قالَ: «لمْ يَموتُوا على الإسلامِ». قالَ سلمانُ: فأَظلَمتْ عليَّ الأرضُ، وذَكرتُ اجتهادَهُمْ. فنَزلتْ هذهِ الآيةُ، فدعا سلمانَ فقالَ: «نزَلتْ هذهِ الآيةُ في أصحابِكَ». ثمَّ قالَ النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم: «مَنْ ماتَ على دينِ عيسَى، ومَنْ ماتَ على دينِ الإسلامِ قبلَ أنْ يَسمعَ بي، فهوَ على خيرٍ، ومَنْ سمعَ بِيَ اليومَ ولمْ يؤمنْ بِي فقدْ هلكَ»53.

وروَى ابنُ أبي حاتمٍ في «تفسيرِهِ» خبرَ مجاهدٍ مِنْ طريقِ سفيانَ بنِ عُيَينةَ عنِ ابنِ أبي نجيحٍ عنْ مجاهدٍ: «قَالَ سَلْمَانُ: سَأَلْتُ النَّبِيَّ- صلى الله عليه وسلم عَنْ أَهْلِ دِينٍ كُنْتُ مَعَهُم، فَذَكَرَ مِنْ صَلاتِهِمْ وَعِبَادَتِهِمْ، فَنَزَلَتْ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالنَّصَارَىٰ وَالصَّابِئِينَ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ [البقرة: 62]». وهذا الإسنادُ أثبتُ في التَّفسيرِ مِنْ غيرِهِ وليسَ فيهِ أنَّ النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم حَكمَ لهؤلاءِ بالنَّارِ، وهوَ الأَولَى لأنَّ النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم ما كانَ لِيُجيبَ ويَحكمَ في مثلِ هذا دونَ علمٍ يَثبُتُ عندَهُ، ولذلكَ استُبعِدَ هذا بحقٍّ، واللهُ تعالى أعلمُ.

الهوامش

  1. مِنْ طريقِ أَبِي قُرَّةَ الْكِنْدِيِّ عَنْ سَلْمَانَ الْفَارِسِيِّ. قالَ ابنُ سعدٍ في الطبقاتِ: «‌وكانَ ‌قاضيًا ‌بالكوفةِ واسمُهُ فلانُ بنُ سلمةَ. روى عنْ عمرَ بنِ الخطَّابِ، وسلمانَ، وحُذيفةَ بنِ اليمانِ. وكانَ معروفًا قليلَ الحديثِ».

    وهيَ روايةٌ مختصَرةٌ، فيها أنَّ آخِرَ مَنِ اشتَرى سلمانَ عبدًا امرأةٌ. وهذهِ الرِّوايةُ رواها قبلَ أحمدَ وبِأَطْولَ ممَّا عندَهُ: ابنُ سعدٍ في «الطبقاتِ»، وابنُ أبيِ شيبةَ في «المصنَّفِ»، في أوَّلِها جزءٌ مِنَ القصَّةِ لمْ يذكرْها أحمدُ في هذهِ الرِّوايةِ، وفيهِ أمورٌ تخالفُ الحديثَ الطَّويلَ عندَ أحمدَ الَّذي سُقتُهُ في هذهِ الرِّسالةِ. ورواهُ الطَّبرانيُّ في «الكبيرِ» مختصرًا أيضًا مثلَ أحمدَ. كلُّ هؤلاءِ مِنْ طريقِ أبي إسحاقَ السَّبيعيِّ عنْ أبي قرّةَ عنْ سلمانَ. وأمَّا هذهِ الزِّيادةُ المذكورةُ فهيَ مذكورةٌ عندَ جميعِ هؤلاءِ.

  2. وقدْ ورَدتْ هذهِ العبارةُ في أحاديثَ أُخرَى ليسَ هنا مَحلُّ التَّفصيلِ فيها.
  3. رواهُ بِمثلِ ذلكَ ابنُ أبي حاتمٍ في «التَّفسيرِ» وقالَ في آخرِهِ: «وَرُوِيَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ نَحْوُ هَذَا».

    وذكَرَ نَحوَهُ مِنْ قَبلِهما مُقاتلُ بنُ سُليمانَ في «تفسيرِهِ»: «وذَكَرَ ‌سَلْمانُ أمرَ الرَّاهبِ ‌وأصحابِهِ، وأنَّهمْ مُجتهدونَ في دِينِهم يُصلُّونَ ويصومونَ، فقالَ النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم: «همْ ‌في ‌النَّارِ»، فأنزلَ اللهُ عزَّ وجلَّ فيمَنْ صدَّقَ منهمْ بمحمَّدٍ صلى الله عليه وسلم وبما جاءَ بهِ ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [البقرة: 62] يعني صدَّقُوا يعنِي أقرُّوا وليسُوا بِمنافقينَ ﴿وَالَّذِينَ هَادُوا وَالنَّصَارَىٰ وَالصَّابِئِينَ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا﴾ يقولُ مَنْ صدَّقَ منهمْ باللهِ عزَّ وجلَّ بأنَّهُ واحدٌ لا شريكَ لهُ وصدَّقَ بالبَعثِ الَّذي فيهِ جزاءُ الأعمالِ بأنَّهُ كائنٌ ﴿فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ مِنْ نزولِ العذابِ ﴿وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ عندَ الموتِ».

    وذكَرَ هذهِ الرِّوايةَ أبو عبدِ اللهِ ابنُ مَنْدَه في «التَّوحيدِ» في بابِ: «‌‌ذِكرُ الدَّليلِ على أنَّ المجتهدَ المخطئَ في معرفةِ اللهِ عزَّ وجلَّ ووحدانيَّتِهِ كالمُعانِدِ».