ibnu-musafir.com

مُقدِّمةٌ

تمهيد · فصل من النص الكامل لكتاب «شرح مقدمة تفسير ابن أبي حاتم الرازي» · قراءة الكتاب بصيغة PDF

بِسْمِ اللهِ والحَمْدُ للهِ والصَّلاةُ والسَّلامُ على رسولِ اللهِ وعلى آلِهِ وصَحبِهِ ومَن والاهُ.

أَساسُ عِلمِ التَّفسيرِ بأَكمَلِهِ هوَ التَّفاسيرُ المَأثورةُ عنِ القُرونِ الأُولى مِن هذهِ الأُمَّةِ، وذلكَ تفسيرُ النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم والصَّحابةِ والتَّابعينَ وأتباعِ التَّابعينَ، فهذهِ المرويّاتُ قد رواها السَّلَفُ في دَواوينِ التَّفسيرِ وقد يُلحِقونَ أَقوالَ جيلٍ رابعٍ هم تَبَعُ الأَتباعِ بِما نَقلوا عن السَّابقينَ في التَّفسيرِ، ومجموعُ ذلكَ ما يُسمَّى بـ«التَّفسيرِ المَأثورِ».

ومن أعظمِ المؤلَّفاتِ الجامعةِ في هذا البابِ تفسيرُ ابنِ أبي حاتم الرَّازيِّ (240 - 327 هـ) الذي يتميَّزُ بأنَّ مؤلِّفَهُ إمامٌ في الحديثِ والجَرحِ والتَّعديلِ وأبوهُ كذلك، وقدَّمَ المؤلِّفُ لتفسيرِهِ بمقدِّمةٍ موجزةٍ بيَّنَ فيها مقاصدَ تفسيرِهِ ومَنهجَهُ فيه، ممَّا يَكشفُ - على وَجازتِهِ - عن معلوماتٍ مهمَّةٍ ومُفيدةٍ حول فَهمِ التَّفسيرِ وطُرُقِهِ في القُرونِ الأُولى.

والنَّاسُ في القُرونِ المُتأخِّرةِ قد ابتَعدوا أكثرَ فأكثرَ عن تفاسيرِ السَّلفِ واتَّكلوا على فُهُومِ أنفسِهم وأمثالِهم من المتأخِّرينَ في فَهمِ كتابِ اللهِ، وقد أوقعَهُم ذلكَ في بُعدٍ عن فَهمِ الصَّحابةِ رضيَ اللهُ عنهم للقُرآنِ الذينَ هم أفهَمُ النَّاسِ للعربيَّةِ وللقُرآنِ ومقاصدِهِ وأسبابِ نُزولِهِ وكلِّ ما يُعينُ على فَهمِهِ.

ومَن فَهِمَ هذا تبيَّنَت له أهمِّيَّةُ الاهتمامِ بمِثلِ هذهِ الكلماتِ القيِّمةِ أمثالِ الَّتي ذكرَها ابنُ أبي حاتمٍ في أوَّلِ تفسيرِهِ، فالنَّاسُ بحاجةٍ ماسَّةٍ لفَهمِ مناهجِ المُفسِّرينَ الأوَّلينَ وطريقةِ تَعامُلِ علماءِ السَّلفِ بمرويَّاتِ التَّفسيرِ. ويزيدُ هذا الأمرَ أهمِّيَّةً التَّوجُّهُ الزَّائد المحمودُ عند النَّاسِ منذُ سنواتٍ نحوَ أقوالِ السَّلفِ ومنها أقوالُهم في التَّفسيرِ، إلَّا أنَّ عامَّةَ المسلمينَ بل طالبَ العلمِ المُبتدئَ منهم بل المتوسِّطَ كذلك يجدُ صعوبةً في فَهمِ أقوالِ السَّلفِ في التَّفسيرِ أحيانًا وفي توجيهِها وفَهمِ مُرادِ القائلِ منها.

والنَّاسُ في هذا على طرَفَينِ، بعضُهم ينفِّرُ من قراءةِ كتبِ السَّلفِ وخصوصًا كتبِ التَّفسيرِ منها، وحُجَّتُهم أنَّها لا تُفهمُ أصلًا وأنَّها تحتوي على أمورٍ يُستغنى عنها في نظرِ عامَّةِ النَّاسِ اليومَ كالمرويَّاتِ عن بني إسرائيلَ، والطَّرفُ الآخرُ يقولُ بأنَّ أقوالَ السَّلفِ عمومًا والَّتي في التَّفسيرِ خصوصًا، يَفهمُها كلُّ مَن كانت لديهِ معرفةٌ بسيطةٌ بالعربيَّةِ وشيءٌ من ثقافةٍ إسلاميَّةٍ من عامَّةِ النَّاسِ. ومَن عرَفَ شيئًا من علومِ التَّفسيرِ واهتمَّ قليلًا بتفاسيرِ السَّلفِ عرَفَ أنَّ الحقيقةَ بين هذينِ الطَّرفين.

فنَعَمْ، لا يجوزُ تنفيرُ المسلمينَ من كتبِ المُتقدِّمينَ، بل يجبُ حثُّهم على قراءتِها، ومن جهةٍ أُخرى لا بدَّ أن يُعلَمَ أنَّ الفهمَ العميقَ لمناهجِ التَّفسيرِ والمفسِّرينَ ولِأُصولِ التَّفسيرِ في القُرونِ الأُولى أمرٌ فيه صعوبةٌ بالغةٌ في هذه الأزمنةِ المُتأخِّرةِ، حيثُ يَفرحُ أَمثالُنا الجُهَّالُ لِبُعدِ عصرِنا عن زمنِ السَّلف بكلِّ قطعةٍ يفهمونَها من كلامِهم تُنبِئُ عن شيءٍ من هذه الأمورِ المُهمَّةِ.

ومن هنا تتأكَّدُ أهمِّيَّةُ الاهتمامِ بمقدِّماتِ التَّفسيرِ خاصَّةً، وهذا هو المقصودُ من هذه الرِّسالةِ. فأسألُ اللهَ تعالى أن يجعلَ هذه الرِّسالةَ المُختصَرةَ وما فيها من التَّعليقاتِ على مقدِّمةِ المؤلِّفِ نافعةً وخُطوةً إلى هدفِ فَهمٍ أعمقَ وأشملَ للتَّفسيرِ كما فَهِمَهُ أوَّلُ هذه الأُمَّةِ، آمينَ.

وكتبه
أبو حمزةَ بنُ مسافر